فصل: ذكر أوراد الليل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.فصل في آداب التلاوة:

ينبغي لقارئ القرآن أن يكون على وضوء، مستعملاً للأدب، مطرقاً غير متربع ولا متكئ، ولا جالس على هيئة المتكبر.
وأفضل الأحوال: أن يقرأ في الصلاة قائماً، وأن يكو في المسجد.
فأما مقدار القراءة، فقد اختلفت فيها عادات السلف، فمنهم من كان يختم كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة أكثر رأيتهم ذلك، ومنهم من كان يختم في ثلاث ختمة ومنهم من كان يختم في كل أسبوع، ومنهم من كان يختم في كل شهر، اشتغالا بالتدبر أو بنشر العلم، أو بتعليمه، أو بنوع من التعبد غير القراءة، أو بغيره من اكتساب الدنيا وأولى الأمر: ما لا يمنع الإنسان من أشغاله المهمة، ولا يؤذيه في بدنه، ولا يفوته معه الترتيل والفهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة من وجد خلسة في وقت، فليغتنم كثرة القراءة ليفوز بكثرة الثواب، فقد كان عثمان رضي الله عنه يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وكان الشافعي رحمه الله يختم في رمضان ستين ختمه.
وأما الدوام: فليكن على قدر الإمكان، كما أشرنا إليه.
واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل وأول النهار. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. وكان أنس رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.

.فصل في تحسين الصوت:

ويستحب تحسين القراءة، وإذا لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، فأما القراءة بالألحان، فقد كرهها السلف. ويستحب الإسرار بالقراءة. وقد جاء في الحديث: «فضل قراءة السر على قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية»، إلا أنه ينبغي أن يسمع نفسه. ولا بأس بالجهر في بعض الأوقات لمقصود صحيح، إما لتجويد الحفظ، أو ليصرف عن نفسه الكسل والنوم، أو ليوقظ الوسنان.
فأما حكم القراءة في الصلاة، ومقدار ما يقرأ في صلاة الفرض، وموضع الجهر والإسرار فذلك معروف مشهور في كتب الفقه. ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجورًا.
وينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام ليلة بآية وهى قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] وكذلك قام بها الربيع بن خثيم رحمة الله عليه ليلة. وينبغي للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: {خلق السموات والأرض} [الأنعام: 1] فليعلم عظمته ويتلمح قدرته في كل ما يراه. وإذا تلا: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ذلك، فيتأمل هذه العجائب. وإذا تلا أحوال المكذبين فليستشعر الخوف من السطوة إن غفل عن امتثال الأمر.
وليتخلى التالي من موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره التال، فيصرف همته عن فهم المعنى. ومن ذلك أن يكون التالي مصراً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى بهوى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصداه، فهو كالجرب على المرآة، يمنع من تجلى الحق، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل الجلاء للمرآة.
وينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه مقصود بخطاب القرآن ووعيد، وأن القصص لم يرد بها السمر بل العبر، فليتنبه لذلك، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كاتبه سيده بمقصود.
وليتأمل الكتاب ويعمل بمقتضاه، فإن مثل العاصي إذا قرأ القرآن وكرره، كمثل من كرر كتاب الملك وأعرض عن عمارة مملكته وما أمر به في الكتاب فهو مقتصر على دراسته، مخالف أوامره، فلو ترك الدراسة مع المخالفة كان أبعد من الاستهزاء واستحقاق المقت.
وينبغي أن يتبرأ من حوله وقوته، وأن لا يلتفت إلى نفسه بعين الرضى والتزكية فإن من رأى نفسه بصورة التقصير، كان ذلك سبب قربه.

.كتاب الأذكار والدعوات وغيرها:

اعلم أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله سبحانه وتعالى، ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى، ويدل على فضل الذكر قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] وقوله: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} وقوله: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} [الأحزاب: 35].
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه». وفي أفراد مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» وفي ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في فضائل الأعمال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما جلس قوم مجلساً فتفرقوا على غير ذكر الله عز وجل، إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة». وفي حديث آخر. «لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة».
وأما فضيلة الدعاء: فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء» و«أشرف العبادة الدعاء» و«من لا يسأل الله يغضب عليه». وفي حديث أخر: «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل».
وللدعاء آداب: من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور، والجمعة من الأسبوع، والسحر من الليل. ومن الأوقات الشريفة بين الآذان والإقامة، وعقيب الصلوات، وعند نزول الغيث، وعند القتال في سبيل الله، وعند ختم القرآن، وفي السجود، وعند الإفطار، وعند حضور القلب ووجله. وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل.
ومن آداب الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه ثم يمسح بهما وجهه، وأن يخفض صوته حال الدعاء. ومن آدابه أن يبدأ بذكر الله عز وجل، ثم يصلى على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يتكلف السجع في الدعاء. ومن آدابه وهو الأدب الباطن-وهو الأصل في الإجابة- التوبة ورد المظالم.

.فصل في الأوراد وفضلها وتوزيع العبادات على مقادير الأوقات:

اعلم أنه إذا حصلت المعرفة لله سبحانه والتصديق بوعده، والعلم بقصر العمر، وجب ترك التقصير في هذا العمر القصير، والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا} [الإنسان: 25-26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام، وقال الله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62]، أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر.

.بيان عدد أوراد الليل والنهار وترتيبها:

أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة، فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به.
الورد الأول من أوراد النهار: ما بين طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: {والصبح إذا تنفس} [التكوير: 18].
فينبغي للمريد إذا انتبه من النوم أن يذكر الله سبحانه وتعالى فيقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفراد البخاري.
وفي أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر». وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: «أصبحنا وأصبح الملك لله» إلى آخره، ويقول: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات، «رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً». فإذا صلى الفجر قال وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير» عشر مرات.
ويذكر سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
ويقول: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين». ويدعو «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي فيها ماشى، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». ويدعو بدعاء أبي الدرداء: «اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم».
فهذه الأدعية لا يستغني المريد عن حفظها. وينبغي له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله ثم يخرج متوجهاً إلى المسجد ويقول: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فإذا دخل المسجد فليقل ما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك»، ثم يطلب الصف الأول منتظراً للجماعة داعيا بنحو ما تقدم من الأذكار والأدعية. فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس.
فقد روى أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة». وليكن وظائف وقته أربعاً: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر. وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدى وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره.
الورد الثاني: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار، إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة، وهو الربع، وهذا وقت شريف، وفيه وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى.
والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام الليل، كما يعين السحور على صيام النهار، فإن نام فليجتهد في الانتباه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة قبل دخول الوقت.
واعلم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام أكثر من ذلك كثر كسله، فذا نام أكثر من ذلك فت الليل فلا وجه لنومه في النهار، بل من نقص منه استوفى ما نقص في النهار.
الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد النهار وأفضلها، فينبغي له في هذا الوقت إذا أذن المؤذن أن يجيبه بمثل قوله، ثم يقوم فيصلى أربع ركعات، ويستحب أن يطيلهن، فإن أبواب السماء تفتح حينئذ، ثم يصلى الظهر وسنتها، ثم يتطوع بعدها بأربع.
الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال بالذكر، والصلاة، وفنون الخير، ومن أفضل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة.
الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، وليس في هذا الوقت صلاة سوى أربع ركعات بين الأذانين، ثم فرض العصر، ثم يتشاغل بالأقسام الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول، والأفضل فيه تلاوة القرآن والتدبر والتفهم.
الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وهو وقت شريف. قال الحسن البصري رحمه الله: كانوا أشد تعظيماً للعشي من أول النهار، فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة.
وبالمغرب تنتهي أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، فقد انقضت من طريقه مرحلة. وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء آحادها.
قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا مضى يومك مضى بعضك. وليتفكر هل ساوى يومه أمسه، فإن رأى أنه قد توفر على الخير في نهاره، فليشكر الله سبحانه وتعالى على التوفيق، فإن تكن الأخرى، فليتب وليعزم على تلافى ما سبق من التفريط في الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وليشكر الله تعالى على صحة جسمه، وبقاء بقية من عمره يمكن فيها استدراك التقصير، وقد كان جماعة من السلف يستحبون أن لا ينقضي يوم إلا عن صدقة، ويجتهدون فيما أمكن من كل خير.

.ذكر أوراد الليل:

الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16]. أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من صلى بعد المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة». رواه الترمذي.
الورد الثاني: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته: {آلم تنزيل الكتاب} [السجدة: 1] و{تبارك الذي بيده الملك} [تبارك: 1]. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأهما.
وفي حديث آخر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة».
الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة رضي الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر. متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات.
الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن المقصود به احتسب عبادة. وقد قال معاذ رضي الله عنه: إني لأحتسب في نومتي كما أحتسب في قومتي.
فمن آداب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهراً سجد عند العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيداً عن العرش.
ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، لأنه ربما مات في نومه. ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة إذا استيقظ.
ومنها: أن لا يبيت من له شيء يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
وينبغي له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعماً بذلك، فإنه يزيد في النوم، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثنى له فراشة فقال: «منعتني وطأته صلاتي الليلة». وينبغي أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة.
ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ينام على جنبه الأيمن، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدرى ما حدث بعده». فإذا وضع جنبه فليقل: «باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» أخرجاه في الصحيحين.
وفي الصحيحين أيضاً، من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} و{وقل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وفيهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً».
وعن على رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له ولفاطمة: «إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» متفق عليه. وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطاناً قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربه شيطان. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب». وفي أفراد مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مأوى». فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت» وفي رواية: «وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» متفق عليه.
وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان على الإيمان.
الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف. قال أبو ذر رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: «نصف الليل أو جوف الليل، وقليل فاعله».
وروى أن داود عليه السلام قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إلىَّ حوائجك.
فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة {آل عمران}، كما روى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وليدع بما سبق من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين» رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع.
الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 18]. وفي الحديث: إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة.
وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحداً ينام وقت السحر. فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله عز وجل. وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك.